مصطفى لبيب عبد الغني
50
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
والرازي يؤمن بتكامل عناصر المنهج ومراحله ؛ وهو يضع في اعتباره إجماع المختصين وأهل الرأي الذي يشكّل رأيهم جزءا من تراث العلم ، وذلك على نحو ما نستقرىء الآن بحوث السابقين في المراحل التمهيدية من البحوث تسهيلا للوصول إلى تعميمات تكون التجارب سبيلا لامتحان صوابها ، وفي ذلك يقول : « ما اجتمع عليه الأطباء وشهد عليه القياس وعضدتّه التجربة فليكن أمامك وبالضد » « 1 » . ولا ينبغي أن نتصور أن الانفصال بين منهج المعرفة ومضمونها أو بين منهج العلم وفلسفته انفصال حقيقي ، فما الفرق بينهما نلمحه إلا الفرق بين الوسيلة والغاية ، والعلاقة بينهما علاقة وثيقة إلى حد يمكن اعتبارهما وجهين لعملة واحدة ، وحينما يستخدم المرء وسيلة أو أداة فإن الغاية والهدف يكون متضمنا في استخدامها وربما لا نعدو الصواب إن قلنا إن المنهج ذاته لون من ألوان المعرفة « 2 » . * * *
--> - الأصلية لا مجرد تكديس المعلومات " ( بفردج ، و . 1 . « فن البحث العلمي » ص 37 ، ترجمة زكريا فهمي ومراجعة أحمد مصطفى أحمد ، القاهرة 1936 ) . ( 1 ) أثبته ابن أبي أصيبعة في « عيون الأنباء » ص 421 وراجع بالتفصيل ما أثبتناه من بعد في فصل « التجريب » . ( 2 ) نضع في اعتبارنا هنا المغزى العميق لما يقرره « هيجل » في قوله : « لقد كانت الفلسفة النقدية ، في الخط الرئيسي لحجتها ، تدعونا إلى التريث قبل أن نبدأ البحث . . وتطلب منا أولا وقبل كل شئ أن نفحص ملكة المعرفة ، وننظر فيما إذا كانت قادرة على القيام بالمعرفة أم لا ، إذ ينبغي علينا - فيما يقول كانط - أن نفحص الأداة قبل أن نعهد إليها بالعمل ، لأنه إذا لم تكن الأداة صالحة فإن مجهودنا كله سوف يضيع أدراج الرياح . ولقد صادف هذا الاقتراح قبولا واستحسانا واسع المدى ، وكان من نتيجته أن ارتدت المعرفة إلى نفسها بدلا من أن تهتم بموضوعاتها وتعكف على دراستها ، وهكذا عادت تدرس نفسها . . . وما لم تخدعنا الكلمات فإننا نستطيع بسهولة أن ندرك مدى ما تصل إليه . فنحن نستطيع في حالة الأدوات الأخرى أن نفحص الأداة وأن ننقدها بطرق أخرى غير استخدامها في المهمة التي سنكلها إليها ، غير أن فحص المعرفة لا يمكن أن يتم إلا بفعل من أفعال المعرفة ، ومعنى ذلك أن فحص ما يسمى بأداة المعرفة هو نفسه معرفة ، ومحاولة المعرفة قبل أن نعرف هي أشبه ما يكون بقول القائل : إنني لا أستطيع أن أغامر بالنزول في الماء قبل أن أتعلم السباحة » . هيجل : « الموسوعة الفلسفية » . المجلد الأول ، ص 73 ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ، دار التنوير ، بيروت 1983 .